تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام: أناشيد العتامة
صور من إعادة تركيب (1982) تْرِن تِ. مين-ها
في نسخته الأولى، التي أُقيمت على مدار ثلاثة أيام في مارس/آذار 2025، وبالشراكة مع المؤسسة العربية للصورة وفضاء دواوين ببيروت، كان برنامج «تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام» يدعو المشاهدين/ات إلى التفاعل مع الحيز الذي تمثله وتشغله نصوص الشاشة -التي نسميها، اختصارًا، الترجمة1لمطالعة نقاش سابق حول المصطلحات العربية المتعددة التي يشار بها إلى هذا النوع من الترجمة والنصوص، انظر/ي النص المصاحب للحلقة الأولى من البرنامج، «فهم ما لا يُقال، تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام» https://cameliacommittee.com/nour-ouayda-complicity-and-conspiracy-in-film-translation-curatorial-text-ar/. وفي النص الحالي، نقترح أيضًا “نصوص الشاشة” كمصطلح جامع يشمل هذه النصوص عندما تؤدي وظيفة الترجمة أو أي وظيفة أخرى، أكانت النصوص مدمجة في جسم الشريط أم ملحقة به. —ملاحظة المترجم – بوصفه أيضًا مادة للتجريب وموقعًا تصبح فيه علاقات القوة والسلطة اللغوية مرئية. خلقت العروض فرصًا للنقاش وتبادل الآراء والخبرات والملاحظات حول شتى أشكال التفاعل مع ترجمة الأفلام ونصوص الشاشة، التي تَشارَكها المتحدثون/ات والجمهور. وهكذا تحولت تجربة مشاهدة الأفلام إلى مساحة تبلورت فيها، ومن ثم انكشفت، التفاعلات الموازية بين اللغات المتعددة.
كانت الفكرة أن يصبح هذا البرنامج مدخلًا لتأمل علاقاتنا باللغة والترجمة، بينما نحن في المكان الذي تقام فيه الفعالية. في النسخة الأولى، كان همي أن أستكشف العلاقات القائمة بين اللغة العربية والأرمنية الغربية والإنجليزية، وأن أسبر أغوار الكيفية التي بها تتقاطع هذه اللغات الثلاث، التي نتحدثها على نطاق واسع في لبنان اليوم، وتُشكِّل الواحدة منها الأخرى. كما كان من ضمن هذا أن أتتبع ديناميات التهميش والمحو التاريخي والثقافي، وكذلك العولمة، وهي ديناميات تحكم طريقة ممارسة هذه اللغات محليًّا –أي داخل لبنان، في هذه الحالة.
أما في النسخة الثانية من البرنامج، فأنا أنتقل باتجاه سياق ثقافي ولغوي آخر. ومن خلال تعاون مع الكاتب والمترجم عمر برادة وفريق LE 18، سيشتبك البرنامج مع أسئلة ترجمة الأفلام والترجمة عمومًا من منظور مغربي. فكيف عساها تتردد في مراكش اليوم أصداء هذه التأملات اللغوية التي طرحناها في بيروت قبل عام ونصف؟ إن هيمنة اللغة العربية ومحوها التدريجي للغات الأصلانية، جنبًا إلى جنب مع الاحتكار الذي تفرضه الفرنسية والإنجليزية باعتبار كل منهما لسانًا استعماريًّا، هي إشكاليات حاضرة بقوة في البلدين. وما يتبين في حالة المغرب بإلحاح خاص هو كيف تمثل الشفاهية الحالة اللغوية الحاسمة التي عبرها تُنقَل اللغة وتُحفَظ.
وهذا التناسخ الثاني لبرنامج «تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام»، ويأتي هذه المرة تحت عنوان «أناشيد العتامة»، يقترح أن يكون الوسيط السمعي-البصري بمثابة فضاء يَسَع التفاعلات بين المنطوق والمكتوب، بكل تعقيداتها ودقائقها المرهفة. وعوضًا عن أن تقدم الأفلام سبيلًا لا يأتيه الباطل إلى لغة أخرى، تركز الأفلام في هذه النسخة على نص الشاشة بوصفه عتبةً للاتصال وللمعنى بطرق لا هي معتادة ولا هي متوقعة. في اليوم الأول من البرنامج يتلاقى فيلمان يخلخلان الافتراض بأن الفهم الواضح شرط جوهري للتفاعل مع الآخر. في فيلم «إعادة تركيب» [Reassemblage] (1982)، ترفض تْرِن تِ. مين-ها إضافة ترجمة على الشاشة لمقاطع من فيلمها تتضمن كلامًا منطوقًا بلغة السيرير ولغات أخرى في السنغال. باختيارها هذا، تربك صانعة الفيلم توقعاتنا الخاصة بالوضوح وتلقّي المعلومات، وهي توقعات مفترضة عند صنع الأفلام الوثائقية. وعلى نحو مشابه، ففي فيلم «جُرِن أُوكّرِيد»/«سماع الأرض» (2025)، يؤخر فيليب رزق ظهور نص على الشاشة فنسمعه أولًا باللغة النوبية الفاديكية، مما يجبر غير المتحدثين بها منا على الإنصات حقًّا إلى الكلمات وإطالة الوقوف عند موسيقيتها، قبل فهم ما تعنيه. يطل هذا اليوم الافتتاحي على اللغة عبر شفاهيتها، مبتعدًا عن الحاجة القهرية للمعنى والفهم.
أما عروض اليوم الثاني فتتوغل في استكشاف عملية التفاوض التي تحدث بين السمع والقراءة، وكذلك بين الإنصات والفهم. ففي فيلم «درس 41» [Leckja 41] (1966)، فإننا نحضر صف تعليم لغة بولندية مع المتعلمين الأجانب الكبار، صوَّره عبد الله الإدريسي، وهو صانع أفلام مغربي انتقل إلى مدينة وودج لدراسة السينما في سنوات 1960. سيُعرض هذا الفيلم بلغته البولندية الأصلية، دون أي ترجمة على الشاشة. والمشاهدون/ات مدعوون/ات لتقبل إحساس التوهان الذي قد تثيره هذه التجربة، والتركيز على ما يُسمع، وكذلك على كيف يدخل هؤلاء المهاجرين كأفراد في علاقة مع هذه اللغة الجديدة على نحو تعبر عنه أجسادهم وأصواتهم. ويستكشف مشروع «لوسيا منديز والسلام في لبنان» لعمر مسمار (2015–2018) هذا التجسيد للغة أجنبية عبر إعطاء معانٍ سياسية للدبلجة، إذْ يُمَسْرِح قراءة لمقاطع من اتفاق الطائف تلقيها نجمة المسلسلات المكسيكية التلفزيونية لوسيا منديز. فبعد سنوات من مشاهدتنا شفتيها تتحركان على شاشة التلفزيون بينما اللغة الإسبانية التي تنطقها مكتومة، نسمع صوتها للمرة الأولى ولكن وهي تتحدث العربية ملقيةً علينا (دون أن تفهم هي ما تلقيه) المبادئ التي أقرتها مفاوضات إنهاء الحرب الأهلية في لبنان. وفي «أرجوان، أجسادٌ في الترجمة»، لجو نعمة (2017)، نغوص في تشابكات وتناقضات ترجمة شهادات الحرب والعنف. هنا، ليست ترجمة ونصوص الشاشة ووصف الأصوات مجرد أدوات لفهم الحوار، وإنما تصبح سجلات أساسية تحفظ تفاصيل الخبرات الصادمة وثقلها العاطفي ولولاها لفُقدت في الترجمة واختفت. ويتوسع ڤيديو «نساء پينوشيه» [Las Mujeres de Pinochet] (2004) لإدواردو مينز في هذه الاستكشافات، فيعيد تشكيل الصلات بين الصوت والصورة والنص، مزيحًا التزامن المعتاد بينها، ليواجه الآليات التي من خلالها يروي نظام الديكتاتور نفسه. وهكذا، يدفعنا هذا العمل إلى مساءلة العلاقة بين اللغة والأدلة وتمثيل العنف السياسي.
وفي ختام البرنامج، سيُعرض فيلم «سايات نوڤا» (1969)، اللوحة الشخصية التي رسمها سيرغي پاراجانوف للشاعر الأرمني المتجول ابن القرن الثامن عشر، مع ترجمة عربية كان قد ابتكرها ڤارتان أڤاكيان وحسين ناصر الدين للنسخة الأولى من البرنامج. تسعى هذه المعالجة العربية للنص الأرمني الأصلي للفيلم، من خلال فعل الترجمة، إلى استعادة الروابط اللغوية والتاريخية والثقافية في غرب آسيا التي تبدو اليوم وكأنها تلاشت، إن لم تكن قد استحالت. يمثل عرض الفيلم بمصاحبة هذه الترجمة في مراكش محاولة لمد نطاق فعل الاستعادة هذا إلى شمال إفريقيا. وواقع الأمر أننا أدركنا، أثناء التحضير لهذا العرض، أن شخصية الشاعر المتجول (التروبادور) -التي مثَّلها سايات نوڤا خير تمثيل؛ “آشوغ” աշուղ بالأرمنية و”عاشوق” بالعربية- لها ما يعادلها في الثقافة الأمازيغية2شكر خاص إلى عمر موجان، وهو مترجم نصوص البرنامج الحالي إلى الأمازيغية (تمازيغت)، صاحب الفضل في هذا الاكتشاف الذي وجدت خيطه الأول في نصه المعنون “اﻷرشيف الشفهي والذاكرة الجماعية وسؤال إعادة التفكير في اﻷرشفة”.: “امدياز” ⴰⵎⴷⵢⴰⵣ؛ تبين هذه الكلمات أن شخصية الشاعر المتجول تتجول أيضا عبر هذه الأراضي واللغات مجتازة حدودها عبر تقاليد الشفاهية والشعر والحكي، حيث الكلام والذاكرة والغناء في رباط لا ينفصم. وعلى نحو متصل يستلهم هذا التدخل السابق، سيُعرض فيلم تْرِن تِ. مين-ها «إعادة تركيب» بمصاحبة ترجمتين إلى الأمازيغية والعربية. هاتان الترجمتان، اللتان أنتجهما، على الترتيب، عمر موجان ومحمد هُوجْلا-كَلْفَت، خصيصًا للنسخة الثانية من المشروع، توسعان نطاق شبكة اللغات التي يغطيها المشروع، إذْ تضمان إليها لغات وثقافات مهمشة في شمال أفريقيا وغربها.
وواقع الأمر أن صانعة الفيلم تفتتحه بقولها، متأملة ومعلقة على تجربة التصوير السينمائي في ريف السنغال: “لا أنوي الحديث عن؛ فقط الحديث بالقرب من”. في فكرة “الحديث بالقرب من“ يتردد صدى نظرية إدوار غليسان العلائقية، وفيها يدافع عن الحق في العتامة كطريقة للتفاعل مع الآخر، للوجود في علاقة معه دون فهمه تمامًا، أو بالأحرى عن طريق القبول بأن ثمة أمورًا وأشياءً بعينها ستبقى غامضة، لأن الآخر آخر. أرى أن ترجمة الأفلام ونصوص الشاشة تخلق تجارب سينمائية متعددة اللغات بإمكانها أن تسمح لنا بأن “نتحدث بالقرب”، بأن نقف في العتامة. إنها تُدخل اللغات في علاقة معًا، وتُبقي، على مستوى الشكل، كلًّا من الأصل والترجمة في ذات الفضاء الواحد. هذا التزامن يسمح للتباينات والتفاوتات في الترجمة، والاحتكاك والتوتر بين اللغات، بالظهور على السطح. لا تُرى ترجمة الأفلام ونصوص الشاشة هنا كوسيلة لسد الفجوة؛ إنها تكشفها وتدعونا إلى الجلوس فيها لكي نسمح بظهور معانٍ وتجارب جديدة.
يُقام هذا البرنامج بإطار برنامج زمالة شبكة ناس 2025-2026
لمزيد من المعلومات عن البرنامج والأفلام، اتبع هذا الرابط
- 1لمطالعة نقاش سابق حول المصطلحات العربية المتعددة التي يشار بها إلى هذا النوع من الترجمة والنصوص، انظر/ي النص المصاحب للحلقة الأولى من البرنامج، «فهم ما لا يُقال، تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام» https://cameliacommittee.com/nour-ouayda-complicity-and-conspiracy-in-film-translation-curatorial-text-ar/. وفي النص الحالي، نقترح أيضًا “نصوص الشاشة” كمصطلح جامع يشمل هذه النصوص عندما تؤدي وظيفة الترجمة أو أي وظيفة أخرى، أكانت النصوص مدمجة في جسم الشريط أم ملحقة به. —ملاحظة المترجم
- 2شكر خاص إلى عمر موجان، وهو مترجم نصوص البرنامج الحالي إلى الأمازيغية (تمازيغت)، صاحب الفضل في هذا الاكتشاف الذي وجدت خيطه الأول في نصه المعنون “اﻷرشيف الشفهي والذاكرة الجماعية وسؤال إعادة التفكير في اﻷرشفة”.
